روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

89

مشرب الأرواح

يقول : « التحيات المباركات الصلوات الطيبات للّه » « 1 » ، قال العارف رضي اللّه عنه : التلقف أخذ الأسرار حقائق الإلهام عن لسان الأنوار . الفصل الحادي والأربعون : في العدل إذا أراد اللّه تعالى أن يعرف العارف لباس القهريات أوقعه في ميادين الشهوات حتى يلوث لباس العبودية بلوث الطبيعة ثم يباشر قلبه بسمّ أفاعي الفراق حتى تحرق في نيران الأشواق فلما لم تبق آثاره ويعلم منه خلاصة تبرز بنعت الكرم من عالم القدم لهذا الفاني فيوجده بعد فنائه حتى لا يبقى في ظلمات القهر ولا يكون كمن يغتر بماء هو : كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [ النّور : 39 ] ، ويلطف عليه بلطائف آلائه ونعمائه ويريه بعد ذلك عالم اللطفيات حتى يعرفه بحقيقة القهر واللطف ولا يكون ذلك إلّا في مقام غيرة الحق على نفسه ليمتنع بجوده عن مطالعة الخليقة يسقطه ثم يأخذه ، قال اللّه تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النّساء : 78 ] ، وأخبر عليه السلام من مقام الفضل والعدل اللذان السابقان في الأزل بقوله : « سبقت رحمتي غضبي » « 2 » ، وقال العارف رضي اللّه عنه : العدل من العارف قطع نفسه من اقتحامها في حومات حمى اللّه الذي هو محارمه والعدل من اللّه تعالى أن يدقق في حساب خطرات النفوس في مقام المحاسبات . الفصل الثاني والأربعون : في الفضل كل ما صدر منه تعالى هو فضل منه على عباده وذلك فضل العموم ، وفضل الخصوص أن يدعوهم إلى عبادته ويوفقهم بها . وفضل الخصوص أن يعرف لهم نفسه قبل إتيانهم بابه ، ويعطيهم مقام مشاهدته قبل مجاهدتهم حتى يعشقوا به ويحبوه ويشتاقوا إليه ، ويخاطبهم بخطاب الوصلة ويؤنسهم بحلاوة جذبه وصفاء ذكره ويوقعهم في بحار التفكر التي حارت العقول بها وطارت الأرواح عنها وذهلت القلوب من لطماتها ، ثم يظهر فيها لهم ويحيرهم في قدمه وقدم قدمه سبحانه ما ألطف سبحانه ما أعظم شأنه ، ألا ترى كيف وصف فضله على خليله وحبيبه وكليمه وصفيه حيث قال :

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب التشهد ، حديث رقم ( 403 ) [ 1 / 302 ] وأبو نعيم الأصبهاني في المسند المستخرج على الصحيحين ، باب في التشهد ، حديث رقم ( 895 ) [ 2 / 26 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب قول اللّه تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) [ البروج : 21 ] حديث رقم ( 7114 ) [ 6 / 2745 ] والطبراني في المعجم الأوسط ، باب من اسمه إبراهيم ، حديث رقم ( 114 ) [ 1 / 42 ] ورواه غيرهما .